الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلقه أجمعين، سيدنا ونبينا محمد المصطفى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين.
في يومٍ تتلألأ فيه أنوارُ الولادة المباركة، وتتجدد فيه معاني الرسالة والعلم والهداية، يأتي افتتاح المكتبة الشيعية المعاصرة في ذكرى ولادة رسول الله محمد صلى الله عليه وآله، وولادة حفيده الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام؛ ليكون هذا اليوم المبارك عنوانًا للقاء نور الرسالة بنور العلم، وهداية الوحي بمنهج المعرفة.
فالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله لم يكن رسولًا يبلغ الرسالة فحسب، بل كان صانعًا للإنسان، وبانيًا للعقل، ومهندسًا للأخلاق، ورائدًا في الارتقاء بالإنسان نحو الكمال. وقد أخرج الناس من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن التفرق إلى الوحدة، ومن عبادة الأهواء إلى عبادة الله تعالى، فكانت رسالته مشروعًا خالدًا لبناء الإنسان والمجتمع والحضارة.
وفي امتداد هذا النور المحمدي، يطل علينا الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، إمام العلم والمعرفة، الذي حمل تراث النبوة، وأرسى دعائم مدرسة علمية وفكرية واسعة، حتى غدا عصره من أبرز العصور التي ازدهرت فيها علوم الإسلام والمعارف الإنسانية. فكان الإمام الصادق عليه السلام منارةً للعلم، ومدرسةً للعقل، ومنهجًا في الحوار، وميدانًا لبناء الشخصية الواعية القادرة على فهم الدين والحياة.
ومن هنا جاءت فكرة المكتبة الشيعية المعاصرة؛ لتكون امتدادًا لهذا الخط المبارك: خطِّ الرسالة والعلم والمعرفة.
إنها ليست مجرد مستودعٍ للكتب، ولا صفحاتٍ تجمع العناوين والمصادر، بل مشروعٌ معرفي يسعى إلى أن يجعل الكتاب في متناول الباحث والطالب والقارئ، وأن يفتح نوافذ المعرفة أمام الأجيال، وأن يجمع بين أصالة التراث وحاجات العصر.
وتسعى المكتبة إلى تقديم نتاجٍ متنوع من الكتب والدراسات والبحوث والموسوعات والمصادر الإسلامية، مع عناية خاصة بتراث أهل البيت عليهم السلام، وعلوم القرآن الكريم، والحديث، والسيرة، والعقيدة، والفقه، والفلسفة، والتاريخ، والفكر الإسلامي، وسائر ميادين المعرفة التي تسهم في بناء الإنسان الواعي.
وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله هو الرائد الأول في بناء الإنسان وصناعة الشخصية الرسالية، وكان الإمام الصادق عليه السلام أحد أعظم امتدادات هذه المدرسة في العلم والمعرفة، فإننا نأمل أن تكون هذه المكتبة لبنةً متواضعة في مشروعٍ أكبر؛ مشروعٍ يجعل المعرفة وسيلةً للارتقاء، والعلم طريقًا للوعي، والكتاب جسرًا يصل الإنسان بتراثه وحضارته ومستقبله.
إن افتتاح المكتبة في هذه المناسبة العطرة ليس اختيارًا عابرًا للتاريخ، بل هو رسالةٌ تحمل معنى عميقًا:
أن تكون ولادة النبي صلى الله عليه وآله ولادةً للرسالة في القلوب، وأن تكون ولادة الإمام الصادق عليه السلام ولادةً للعلم في العقول، وأن يكون افتتاح المكتبة ولادةً لمشروعٍ معرفي يخدم الإنسان والكتاب والفكر.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا لخدمة العلم وأهله، وأن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به الباحثين والطلبة والمثقفين، وأن يكون صدقةً جاريةً في طريق المعرفة، وأن يحفظ تراث محمد وآل محمد عليهم السلام، ويجعلنا من السائرين على نهجهم والمقتدين بهديهم.
ومن نور محمد صلى الله عليه وآله، إلى مدرسة الصادق عليه السلام، تبدأ مسيرة المكتبة الشيعية المعاصرة...
د. علي فاخر حسن البهادلي
السابع عشر من ربيع الأول لعام 1448هـ
الموافق يوم الاثنين
الحاج باسم الكربلائي ...يمكنك طالعة الصفحة اثناء الاستماع